Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124
Physical Address
304 North Cardinal St.
Dorchester Center, MA 02124

بعد مرور عقد كامل على إطلاقها في 11 ديسمبر 2015 كمختبر أبحاث غير ربحي يهدف إلى تطوير الذكاء الاصطناعي «لمنفعة البشرية»، تبدو OpenAI اليوم مختلفة جذريًا عن صورتها الأولى. المشروع الذي وُلد بدعم قدره مليار دولار من إيلون ماسك ونخبة من رواد التقنية، كان يُفترض أن يعمل بعيدًا عن الضغوط التجارية، لكنه أصبح خلال سنوات قليلة أحد أسرع الكيانات التقنية نموًا وتأثيرًا في العالم.
هذا التحول الجذري لم يكن مجرد تطور طبيعي، بل كان نتيجة سلسلة من الصراعات، والاستثمارات الضخمة، وسباق عالمي محموم على قيادة مستقبل الذكاء الاصطناعي.
شكّل انسحاب إيلون ماسك من OpenAI مطلع عام 2018 نقطة تحول مفصلية في مسار الشركة. فالرجل الذي كان من أبرز داعمي المشروع في بداياته، اختار لاحقًا تأسيس شركته المنافسة xAI، لتبدأ مرحلة جديدة من التوتر بين الطرفين.
وخلال العامين الماضيين، تصاعد الخلاف بين ماسك وسام ألتمان، الشريك المؤسس والرئيس التنفيذي لـ OpenAI، ليأخذ طابعًا قانونيًا وإعلاميًا حادًا. ففي عام 2024، رفع ماسك دعوى قضائية اتهم فيها OpenAI بالتخلي عن رسالتها الأصلية، منتقدًا ارتباطها الوثيق بشركة مايكروسوفت، التي أصبحت اليوم أكبر الداعمين والمستثمرين فيها. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ حاول ماسك منع تحول الشركة إلى كيان ربحي، ثم تقدم بعرض استحواذ ضخم بلغت قيمته 97.4 مليار دولار، قوبل بالرفض.
وفي أكتوبر الماضي، أعلنت OpenAI استكمال عملية إعادة هيكلة معقدة، أبقت الكيان غير الربحي في موقع السيطرة على الشركة الربحية الجديدة، مع فتح الباب أمام مجموعة من كبار المستثمرين، في محاولة لتحقيق توازن بين الرسالة الأصلية ومتطلبات النمو التجاري.
منذ إطلاق ChatGPT قبل ثلاث سنوات فقط، شهدت OpenAI قفزة استثنائية في قيمتها السوقية، لتصل إلى نحو 500 مليار دولار. ويستخدم ChatGPT اليوم أكثر من 800 مليون مستخدم أسبوعيًا، ما يجعله روبوت المحادثة الأشهر عالميًا بلا منازع. وفي المقابل، تبلغ القيمة السوقية لشركة xAI المنافسة، التي أسسها ماسك، نحو 230 مليار دولار.
وتخوض OpenAI وxAI سباقًا محتدمًا مع عمالقة آخرين مثل جوجل، وأنثروبيك، وميتا، لتطوير نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تقدمًا. ولم يعد التنافس يقتصر على توليد النصوص، بل امتد إلى توليد الفيديو، وبناء «وكلاء ذكاء اصطناعي» قادرين على تنفيذ مهام معقدة بشكل مستقل، وهي تقنيات بدأت المؤسسات الكبرى في تبنيها لرفع الإنتاجية وخفض التكاليف.
تستعد OpenAI لإنفاق ما قد يصل إلى 1.4 تريليون دولار لبناء بنية تحتية عملاقة تشمل مراكز بيانات متقدمة ورقاقات حوسبة فائقة، بهدف تلبية الطلب المتزايد على خدماتها. غير أن هذا التوسع غير المسبوق يثير تساؤلات كبيرة حول جدوى هذا الإنفاق، وما إذا كانت عوائده المالية ستبرر حجمه الهائل.
ويطرح مراقبون تساؤلًا جوهريًا: هل ستنجح OpenAI في التحول إلى شركة تقنية عملاقة مستقرة تنافس عمالقة وادي السيليكون، أم أنها قد تواجه مصير شركات إنترنت أخرى شهدت نموًا صاروخيًا ثم تلاشت سريعًا؟
في عام 2020، غادر دوريو ودانييلا أموداي، وهما من أوائل العاملين في OpenAI، لتأسيس شركة أنثروبيك، التي أصبحت اليوم أحد أبرز المنافسين في الساحة. وقد أعلنت الشركة مؤخرًا عن استثمارات جديدة من مايكروسوفت وإنفيديا، مع تقييم سوقي يقترب من 350 مليار دولار.
وتنافس نماذج Claude التي تطورها أنثروبيك مباشرة نماذج GPT من OpenAI ونماذج Gemini من جوجل. وتشير التقديرات إلى التزام أنثروبيك بإنفاق نحو 100 مليار دولار مستقبلًا على البنية التحتية للحوسبة المتقدمة، في حين يراهن سام ألتمان على إنفاق يتجاوز التريليون، في رهان غير مسبوق في تاريخ التقنية.
يرى سام ألتمان أن الإقبال الهائل على خدمات OpenAI يبرر هذه الاستثمارات الضخمة. ويتوقع أن تصل إيرادات الشركة السنوية إلى 20 مليار دولار بنهاية العام الحالي، وأن تقفز إلى مئات المليارات بحلول عام 2030.
كما تستفيد شركات تقنية كبرى من هذا النمو؛ فقد وقّعت أوراكل عقدًا بقيمة 500 مليار دولار لتزويد OpenAI بالبنية التحتية على مدى خمس سنوات، إلى جانب عقود ضخمة مع إنفيديا وAMD وبرودكوم وغيرها من عمالقة صناعة الرقائق.
بعد عودة جوجل بقوة عبر نموذجها الجديد Gemini 3، أعلن ألتمان ما وصفه بـ«حالة طوارئ» داخل OpenAI، لإعادة تركيز الجهود على تحسين سرعة ChatGPT وموثوقيته وقربه من المستخدمين، مع تأجيل بعض المشاريع الأخرى مؤقتًا.
وأسفرت هذه الخطوة عن إطلاق نموذج GPT-5.2، الذي تصفه الشركة بأنه «أفضل نموذج لمهام العمل اليومية»، إضافة إلى الإعلان عن صفقة بقيمة مليار دولار مع ديزني تمتد لثلاث سنوات، لدعم نموذج توليد الفيديو Sora، مع وعود بالكشف عن تطورات إضافية خلال شهر يناير المقبل.
مع تصاعد سباق الذكاء الاصطناعي بوتيرة غير مسبوقة، تقف OpenAI في قلب معركة تقنية وتجارية كبرى تعيد رسم ملامح صناعة التقنية عالميًا. وبين تضخم الاستثمارات واحتدام المنافسة، يبقى السؤال مفتوحًا: هل ستنجح OpenAI في الحفاظ على موقعها الريادي، أم أن موجة الابتكار القادمة قد تفرض واقعًا جديدًا؟
المؤكد أن العقد المقبل سيكون حاسمًا، ليس فقط لمستقبل OpenAI، بل لمسار الذكاء الاصطناعي ككل، وللشركات التي تكتب فصوله اليوم.